أخبار عاجلة

هل ينجح سلاح المقاطعة وحده في تشجيع المنتج المحلى?

هل ينجح سلاح المقاطعة وحده في تشجيع المنتج المحلى?

المُقاطعة الاقتصادية هي أحد الأسلحة التي يُمكن أن تستخدمها الدول أو الشعوب، أو التنظيمات المدنية في مواجهة أمر ما يتعارض مع مصالحها، أو ما تعتنقه من قيم. حيث يُستهدف منها إلحاق أكبر قدر من الخسائر الاقتصادية بالشخص، أو الكيان، أو الدولة المُستهدفة بالمُقاطعة حتى يتحقق غرضها. ولكن هل يُمكن لسلاح المُقاطعة أن يكون له دور في تشجيع المُنتج المحلي؟ والواقع أنه لا توجد إجابة قاطعة لهذا السؤال حيث نجحت مُقاطعة الشعب الياباني للمُنتجات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في أن تشكل مع أسباب أخرى أدوات دعم للمُنتج الياباني الذي اتجه إليه المُستهلك المحلي بصورة رتبت تحجيم الاستيراد من الخارج وتشجيع الاستثمار والإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي الياباني، حتى تطور المنتج الياباني وفرض نفسه عالميا حتى في الأسواق الأمريكية نفسها. بينما لم يترتب على المُقاطعة العربية لإسرائيل نفس الآثر رغم طول مُدتها وإنشاء جهاز مُتخصص لإدارتها حيث أن المُقاطعة يُمكن أن تفتح الباب لدعم المُنتج المحلي ولكنها لا تكفي وحدها بل ربما تؤثر المُقاطعة بالسلب على من يُقررها فعندما منع العرب بيع النفط للغرب في أعقاب حرب 1973 تأثر الغرب فعلاً، ولكن ترتب على ذلك ارتفاع أسعار النفط بصورة مُبالغ فيها مما رفع من أسعار مُنتجات المصانع الغربية التي استوردها العرب بأسعار مُرتفعة جداً لعدم وجود البديل المحلي. وبالتالي فإنه لكي تنجح المُقاطعة في تشجيع المُنتج المحلي لابد أن يكون هناك إنتاج محلي حقيقي، لعل هذا الأمر أصبح صعباً جداً في واقعنا الحالي حيث سيطر نموذج تقسيم العمل الحديث وأصبحت غالبية المُنتجات تُنتج بصورة مُشتركة بين عشرات من الدول فإنك تجد السيارة علامة من دولة، وتجميع في دولة أخري، وقطع مُجمعة ترد لدولة التجميع من عشرات من الدول الأخرى للاستفادة من الميزة النسبية لكل دولة للوصول لأكبر جودة بأقل سعر، وهكذا أصبحت آليات العولمة الحديثة تتعارض مع فكرة المُقاطعة وتُفرغها من مضمونها في عالم أصبح أكثر تشابكاً وتعقيداً. ورغم أن تقديرات جامعة الدول العربية أن حجم خسائر إسرائيل المتراكمة من المقاطعة العربية حتى نهاية عام 1999 بنحو 90 مليار دولار إلا أننا لم نلحظ أن ذلك كان له دور مؤثر في دعم المُنتج العربي بقدر ما كان دعم لمُنتجات دول أخرى يتم الاستيراد منها، ليس هذا فقط بل تطور التنظيم الاستثماري الدولي نحو شركات مُتعددة الجنسيات، بل وشركات بملكية كودية لا تعلم جنسيات وديانات أصحابها، بينما سلاح المُقاطعة العربية لا زال يقف عند آليات الخمسيات مما فرغ المُقاطعة العربية من مضمونها بصورة تدريجية مُنذ مطلع القرن الحالي.
ولا يعني ذلك انتهاء سلاح المُقاطعة بالعكس هو سلاح مُهم وفعال إذا ما تمت إدارته بصورة ناجحة، ففي مصر ظهرت دعوات شعبية في نهاية عام 2019 بُمقاطعة شراء السيارات لمُواجهة انتهازية التُجار والمُستوردين وبالفعل نجحت تلك الحملة في دفع التجار لتقديم عروض وتخفيضات ولكن الأمر لم يستمر بنفس الزخم لعدم وجود من يُدير المُقاطعة ويُحدد سقف لمُستهدفات التخفيض وموعد لإنهائها. ومؤخراً ظهرت دعوات بالمملكة العربية السعودية لمُقاطعة المُنتجات التركية على خلفية هجوم من الرئيس التركي للسعودية ومع بدأ الاستجابة والمُقاطعة استغلت الآلة الإعلامية التركية واقعة الرسوم الفرنسية المُسيئة للرسول محمد صلى الله علية وسلم، لتنشر دعوات مُقاطعة للمُنتجات الفرنسية مما تراجعت معه دعوات مُقاطعة المُنتجات التركية.
ووسط عشرات ومئات من دعوات المُقاطعة نجد منها ما يفشل، ومنها ما ينجح مؤقتا وتظل ضمانة نجاح تحقيق المُقاطعة لأهدافها مُتمثلة في وجود إدارة مُتطورة لآلياتها وتحديد سقف لطلباتها وموعد لبدايتها وموعد لتقييم نتائجها وتطويرها إذا اقتضت الحاجة، أما عن كونها يُمكن أن تدعم المُنتج المحلي فإن هذا الأمر يتوقف على وجود ظهير شعبي حقيقي يدعمها ومُنتجات بديلة تلبي الاحتياجات الحالية، وشركاء جُدد لضخ استثمارات وتُكنولوجيا وتنظيم لتطوير والتوسع في الإنتاج المحلي.

دكتور وليد جاب الله
خبير الاقتصادى واستاذ التشريعات

انظر ايضا

امريكا لا عهد لها

امريكا لا عهد لها تعتبر امريكا اكثر دولة بالتاريختنسحب من الاتفاقيات والمعاهدات وسنبرز لك بهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *